ابن الأثير

334

الكامل في التاريخ

واللَّه ما نحن في شيء ! أليس مصيرنا إلى هاهنا ، وندفن تحت الأرض ؟ وأطال الحديث في هذا ونحوه ، ثمّ عاد إلى الدار ، فقلت له : ألا نمشي إلى الباب العماديّ ؟ فقال : ما بقي عندي نشاط إلى هذا ولا إلى غيره ، ودخل داره وتوفّي بعد أيّام . وأصيب أهل بلاده بموته ، وعظم عليهم فقده ، وكان محبوبا إليهم ، قريبا من قلوبهم ، ففي كلّ دار لأجله رنّة وعويل ، ولمّا حضرته الوفاة أوصى بالملك لولده الأكبر نور الدين أرسلان شاه ، وعمره حينئذ نحو عشر سنين ، وجعل الوصيّ عليه والمدبّر لدولته بدر الدين لؤلؤ ، وهو الّذي كان يتولّى دولة القاهر ودولة أبيه نور الدين قبله ، وقد تقدّم من أخباره ما يعرف به محلّه ، وسيرد منها أيضا ما يزيد الناظر بصيرة فيه . فلمّا قضى نحبه قام بدر الدين بأمر نور الدين ، وأجلسه في مملكة أبيه ، وأرسل إلى الخليفة يطلب له التقليد والتشريف ، وأرسل إلى الملوك ، وأصحاب الأطراف المجاورين لهم ، يطلب [ منهم ] تجديد العهد لنور الدين على القاعدة التي كانت بينهم وبين أبيه ، فلم يصبح إلّا وقد فرغ من كلّ ما يحتاج إليه ، وجلس للعزاء ، وحلّف الجند والرعايا ، وضبط المملكة من التزلزل والتغيّر مع صغر السلطان وكثرة الطامعين في الملك ، فإنّه كان معه في البلد أعمام أبيه ، وكان عمّه عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بولايته ، وهي قلعة عقر الحميديّة ، يحدّث نفسه بالملك ، لا يشكّ في أنّ الملك يصير إليه بعد أخيه ، فرقع بدر الدين ذلك الخرق ، ورتق ذلك الفتق ، وتابع الإحسان والخلع على الناس كافّة ، وغيّر ثياب الحداد عنهم ، فلم يخصّ بذلك شريفا دون مشروف ، ولا كبيرا دون صغير ، وأحسن السيرة ، وجلس لكشف ظلامات الناس ، وإنصاف بعضهم من بعض . وبعد أيّام وصل التقليد من الخليفة لنور الدين بالولاية ، ولبدر الدين بالنظر